الخروج من العتمة

١١ أغسطس ٢٠٢٥
سرادى
الخروج من العتمة

يقول الشاعر العراقي «سركون بولص»:


كيف نمضي مرة أخرى

إذا ما جاءتنا أيام عرفنا فيها أعاصير

لا تكف عن اقتلاع الأشجار من جذورها..


ثمة لحظة لا تشبه سواها، تأتي كنسمة هواء بعد اختناق، أو شروق هادئ بعد ليلٍ طويل. لحظة تشعر فيها أن شيئًا ما داخلك قد تحرر، أن صفحة قد طُويت، وأن الوقت قد حان لتفتح أخرى.


لا تأتي البدايات فقط في صباحات يناير، ولا تحتاج إلى تقويم جديد أو مناسبة خارجية. أحيانًا تبدأ بداية جديدة في منتصف يوم عادي، بعد كلمة عابرة، أو لقاء غير مخطط له، أو حتى بعد لحظة صمت طويلة تُدرك فيها أن ما مضى، لا يستحق أن يسحبك خلفه أكثر.


كل بداية جديدة هي إعلان ضمني أنك أعدت التفاوض مع الحياة. أنك قررت - رغم كل ما مررت به - أن تمنح نفسك فرصة أخرى.

البداية جديدة لا تعني إنكار الماضي، بل تعني رفض الاستسلام له.


البدايات الجديدة تحتاج إلى شجاعة، كثيرون يتحدثون عن البدايات، وقليلون من يملكون شجاعة خوضها. أن تبدأ من جديد يعني أن تعترف أولًا بأن القديم لم يعد صالحًا لك، أن تُواجه نفسك بلا أعذار. وهذا الاعتراف، رغم بساطته الظاهرة، يتطلب قدرًا هائلًا من الشجاعة.

أحيانًا، تكون البداية الجديدة هي مغادرة علاقة سامة، أو إنهاء وظيفة لا تشبهك، أو حتى إعادة اكتشاف ذاتك بعد سنوات من التنازلات.



ليست كل البدايات درامية:

ثمة صورة نمطية نرسمها للبدايات الجديدة: قرار حاسم، إعلان كبير، تغييرات مفاجئة. لكن الحقيقة أن أغلب البدايات تبدأ بهدوء. خطوة صغيرة. عادة يومية. تغيير في طريقة التفكير. كلمة «لا» في موقف اعتدت أن تقول فيه «نعم». ومثل بذرة صغيرة، لا تُرى نتائجها فورًا، لكنها تنمو يومًا بعد يوم، حتى تصبح حياة مختلفة.


لكن، البدايات الجديدة لا تعني أن الأمور ستسير بسلاسة. ستتردد، ستتراجع أحيانًا، ستشك في جدوى ما تفعل. لكن كل خطوة على هذا الطريق، حتى لو كانت متعثرة، أفضل من الجمود في مكان لم يعد يشبهك، ستجد في قلب البداية خوف: من المجهول، من الفشل، من الندم. لكن في عمق هذا الخوف، يكمن الأمل.


البداية الحقيقية في داخلك

قد تغيّر المدينة، الأشخاص، العمل، أو حتى مظهرك، لكن البداية الحقيقية تحدث عندما تُغيّر نظرتك لنفسك. عندما تكف عن جلد ذاتك، عندما تسامح نفسك على ما فات، وتؤمن أنها تستحق ما هو آتٍ.

لك الحق أن تبدأ، ففي كل لحظة، حياةً جديدة. لا لأنك فشلت، بل لأنك نضجت. لا لأنك ضعت، بل لأنك وجدت الطريق.

كل يوم هو بداية جديدة. كل قرار صغير، هو خطوة نحو حياة أفضل.


حسنًا، ما الذي يمكنك فعله؟

أولاً. توقف لحظة، وقيّم وضعك الحالي:


حاول أن تدرك مكانك الآن. لا تهرب من مشاعرك أو ماضيك، بل راقبها من دون أحكام. اسأل نفسك:

• ما الذي يدفعني للرغبة في البدء من جديد؟

• ما الذي لا أريده أن يستمر؟

• ما الأمور التي لا تزال عالقة من الماضي؟


ثانيًا: أغلق الأبواب القديمة، المواربة:

لكي تبدأ من جديد بحق، يجب أن تغلق ما يجب إغلاقه:

• سامح نفسك أو الآخرين، إن استطعت (ليس من أجلهم بل من أجلك).

• لا تأخذ معك الأشخاص أو الأفكار التي جرّبتها وأثبتت أنها تستنزفك.

• احذف، نظف، ودّع، ابكِ… كلٌّ حسب طريقته.


ثالثًا: حدد رؤيتك/ أولويتك الجديدة بوضوح

لا تحتاج خطة مفصلة، لكن على الأقل:

• من تريد أن تكون؟

• ما نوع الحياة التي تريد أن تعيشها؟

• ما القيم التي تريد أن تقودك من الآن فصاعدًا؟


رابعًا: ابدأ صغيرًا وثابتًا

التجديد لا يعني تغيير كل شيء دفعة واحدة. اختر شيئًا واحدًا وابدأ به:

• عادة صحية جديدة

• مشروع جانبي

• تعلم مهارة

• تغيير بيئة

الخطوات الصغيرة أهم من القفزات الكبيرة.


خامسًا. كوّن بيئة تدعمك

• قلل الاحتكاك بمن يثبطونك.

• ابحث عن من يشاركك النية أو الطريق.

• أعد تشكيل بيئتك: غرفتك، روتينك، هاتفك، مواقعك… كل شيء يؤثر.


سادسًا: تقبل فكرة أن البداية الجديدة لا تعني السهولة

قد تشعر بالضياع أو الحزن حتى وأنت تبدأ. لا بأس. التغيير الجذري يرافقه ألم، لكن خلفه طاقة نمو وتغيير كبيرة.